يستعيد الكاتب مصطفى الأعصر لحظات من قلب ميدان التحرير، حيث وقف مع رفاقه وسط حشود هائلة من المتظاهرين في مشهد يختلط فيه الأمل بالخطر، ويكشف من خلال تجربة شخصية كيف ظل شبح الثورة حاضرًا في الذاكرة، حتى بعد سنوات من القمع والمنفى، في محاولة لفهم كيف تغيّرت الرواية الرسمية لما جرى في مصر منذ 2011.


يعرض المقال الذي نشره موقع لوريان توداي قراءة نقدية للتحولات التي طالت سردية الثورة المصرية، حيث يوضح كيف أعادت السلطة تشكيل الذاكرة الجماعية عبر الإعلام والإنتاج الدرامي، لتقديم رواية بديلة تتهم الثورة بالفشل وتبرئ النظام من تبعات الواقع الراهن.


من الميدان إلى المنفى


يصف الكاتب لحظة مفصلية من أيام الثورة حين قرر مع أصدقائه تحدي الطوق الأمني والدعوة إلى اقتحام ميدان التحرير، وسط مخاطر الاعتقال والملاحقة. يعكس هذا المشهد روح تلك المرحلة التي امتزج فيها الخوف بالإصرار، قبل أن تتفرق طرق المشاركين بين السجن والمنفى والبقاء داخل البلاد.


يستعيد الأعصر هذه الذكريات بعد خمسة عشر عامًا، حيث يعيش بعض رفاقه في الخارج بينما يظل آخرون في الداخل، في إشارة إلى المسارات المختلفة التي فرضتها التحولات السياسية. يحمل هذا الاسترجاع مزيجًا من السخرية والحزن، ويعكس شعورًا مستمرًا بأن الثورة لم تغادر الوعي، بل تحولت إلى عبء ثقيل في الذاكرة الجماعية.


الدراما كأداة لإعادة كتابة التاريخ


يتناول الكاتب مسلسل “الاختيار” بوصفه نموذجًا واضحًا لإعادة صياغة الأحداث من منظور أمني. يوضح أن الموسم الأول قدّم سردًا يمكن تقبّله نسبيًا رغم عيوبه، حيث ركّز على قصة ضابط في سيناء دون انغماس كامل في خطاب أمني مهيمن.


يكشف في المقابل أن المواسم اللاحقة انزلقت نحو خطاب دعائي مباشر، حيث طغت المبالغات والتشويه على الأحداث، وبدت الحوارات أقرب إلى بيانات أمنية منها إلى عمل درامي. يصوّر العمل رجال الأمن كأبطال مثاليين، ويتجاهل واقع الانتهاكات، ما يخلق فجوة واضحة بين التجربة المعيشة والصورة المقدمة على الشاشة.


يرى الكاتب أن هذا التحول يعكس انتقال الإشراف من جهات عسكرية ذات طابع مؤسسي إلى أجهزة أمنية تفتقر إلى الحس الفني، قبل أن يصل الأمر إلى تدخل سياسي مباشر في الموسم الأخير، حيث يجري تقديم صورة تمجيدية للسلطة الحالية دون مساحة للخطأ أو النقد.


معركة السرديات ومستقبل الذاكرة


يؤكد المقال أن النظام الحاكم لم يكتفِ بالقمع الأمني والسيطرة الإعلامية، بل سعى إلى فرض رواية شاملة تُحمّل الثورة مسؤولية كل الأزمات. يربط الخطاب الرسمي بين معاناة المواطنين وأحداث 2011، ويكرر فكرة أن الثورة كانت خطأ يجب عدم تكراره.


يرفض الكاتب هذه السردية، ويشدد على أن الثورة انطلقت لتحقيق مطالب واضحة تتعلق بالحرية والعدالة والكرامة الإنسانية، وأن ما حدث لاحقًا يعود إلى قوى الثورة المضادة لا إلى أهداف الثورة نفسها. يرى أن تحميل الثورة مسؤولية الفشل يشكل محاولة لتبرئة السياسات الحالية من نتائجها.


يحذر النص من خطورة ترسّخ الرواية الرسمية مع مرور الوقت، خاصة لدى الأجيال التي لم تعايش الأحداث، في ظل تضييق المجال العام وهيمنة الأجهزة الأمنية على الإنتاج الثقافي. يدعو في المقابل إلى التمسك بالكتابة والتوثيق كوسيلة لمقاومة طمس الحقيقة، معتبرًا أن كل جهد فردي في هذا الاتجاه يمثل دفاعًا عن الذاكرة.


يختتم الكاتب برؤية تحمل قدرًا من التحدي، حيث يؤكد أن خسارة المعركة على الأرض لا تعني خسارة التاريخ، وأن الحفاظ على الحقيقة يظل مسؤولية مستمرة، حتى لا تُسرق الثورة مرة أخرى، وحتى تبقى سرديتها الأصلية حيّة في مواجهة محاولات التشويه.

 

https://today.lorientlejour.com/article/1503055/egypts-revolution-15-years-later-erasing-truth-inventing-false-narratives-.html